"فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال"



يتحدث هذا المقال عن اليوم الذي مات فيه يسوع وعن الفترة الزمنية التي ما بين دفنه وقيامته. وبالرغم من أن اليوم الذي مات فيه يسوع، لا أهمية له في حد ذاته، إلا أن التساؤل المتصل بذلك الأمر يصبح مثير للإنتباه جداً إن تم الأخذ في الاعتبار حقيقة اتهام الكتاب المقدس كثيراً بالتناقض فيما يخص هذا الأمر. والسبب هو تناقض النظرة السائدة التي تحدد موت يسوع عصر يوم الجمعة وقيامته صباح الأحد، مع ما قاله يسوع ذاته في متَّى 12: 40 حيث نقرأ:

 

متَّى 12: 40
" لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال."

 

كيف يمكن للفترة التي تقع ما بين عصر الجمعة إلى الصباح الباكر من يوم الأحد أن يكون ثلاثة ايام وثلاث ليال، الشيء الذي حيَّر الكثيرين.

 

1. كم من الوقت هي الثلاثة أيام والثلاث ليال؟

لمواجهة حقيقة أن الوقت المفترض أن يكون يسوع قد قضاه في القبر لا يمكن بكل الأحوال أن يكون ثلاثة أيام وثلاث ليال، وافترض العديدين أن يسوع عنيَ بقوله "ثلاثة أيام وثلاث ليال" أي جزء من اليوم. أوبمعنى آخر، وفقاً لهذه النظرية فحتى ولو ساعة واحدة من اليوم ستكون كافية لتعني "يوماً وليلة". ومع ذلك، فعلى الرغم من أن هذا كان سيبدو صحيحاً إن كان يسوع قد تحدث عن الثلاث ليال بشكل غير محدد، إلا أنه من الواضح أن هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً لأن يسوع تحدث قطعاً، محدداً وقت بقاءه في القبر ليس بأكثر ولا باقل من ثلاثة أيام وثلاث ليال. والآن، فبما أن هذه الفترة التي تقع من بعد ظهر الجمعة إلى صباح الأحد لا يمكن أن تكون أكثر من ليلتين (ليلتا الجمعة والسبت)، ونهار واحد (نهار السبت) وجزء صغير جداً من يوم آخر (ليس أكثر من ساعة أو ساعتين من يوم الجمعة)، فيتضح أن الافتراض المتعلق بالموضوع مثير للجدل ويحتاج إلى المزيد من البحث.

 

2. يوحنا 19: 31 ولوقا 23: 50- 54

وتعد يوحنا 19: 31 ولوقا 23: 54- 56 الفقرتين الرئيسيتين اللتين بنيتا علي أساسهما نظرية أحداث يوم جمعة الصلب، فنقرأ:

 

يوحنا 19: 31
" ثُمَّ إِذْ كَانَ اسْتِعْدَادٌ، فَلِكَيْ لاَ تَبْقَى الأَجْسَادُ عَلَى الصَّلِيبِ فِي السَّبْتِ، لأَنَّ يَوْمَ ذلِكَ السَّبْتِ كَانَ عَظِيمًا، سَأَلَ الْيَهُودُ بِيلاَطُسَ أَنْ تُكْسَرَ سِيقَانُهُمْ وَيُرْفَعُوا."

 

لوقا 23: 50، 52- 54
" وَإِذَا رَجُلٌ اسْمُهُ يُوسُفُ، وَكَانَ مُشِيرًا وَرَجُلاً صَالِحًا بَارًّا....... هذَا تَقَدَّمَ إِلَى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ، وَأَنْزَلَهُ، وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ، وَوَضَعَهُ فِي قَبْرٍ مَنْحُوتٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ وُضِعَ قَطُّ. وَكَانَ يَوْمُ الاسْتِعْدَادِ وَالسَّبْتُ يَلُوحُ."

 

لا ينبغي على القاريء أن يستغرب عند قراءته جملة " وَالسَّبْتُ يَلُوحُ" إذ أن هذا لا يعني اقتراب منتصف الليل. وحقاً، فوفقاً لحساب الزمن في ذلك العصر، لم يكن اليوم يبدأ في منتصف الليل، بل عند الغروب، الذي يكون نحو الساعة السابعة مساءاً في شهر أبريل. والآن، فبما أنه وفقاً لمتَّى 27: 46 ، مات يسوع "نَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ" أي نحو الساعة الثالثة، فمن الساعة الثالثة إلى حوالي الساعة السابعة مساءاً، حدثت الأحداث المُسجَّلة سابقاً إضافة إلى الأحداث التي تضعها تسجيلات أخرى في الفترة التي تقع ما بين موت يسوع ودفنه.

أما الآن، فبخصوص اليوم الذي مات فيه يسوع، فالسبب الذي لأجله أعتقد معظم الناس أن ذاك اليوم كان يوم الجمعة هو لأنهم حددوا السبت الذي تتحدث عنه الفقرة السابقة والتالي ليوم الصلب بأنه السبت الأسبوعي، سابع أيام الأسبوع. إلا أن كلمة "السبت" هذه لم تكن تستخدم في الكتاب المقدس فقط للإشارة إلى السبت الأسبوعي وإنما أيضاً للإشارة إلى الأيام الخاصة العظيمة الأخرى والتي على الرغم من أنها لم تكن أيام سبوت أسبوعية، إلا أنها كانت بنفس الشرعية.

 

2. 1 نوعان من أيام السبوت

والحقيقة أنه بعيداً عن أيام السبوت الاسبوعية، كانت هناك أيام سبوت أخرى خاصة، تتضح بالنظر إلى سفر اللاويين الإصحاح 23، وهو الإصحاح الذي خصص لتنظيم محافل إسرائيل العظمى. فنقرأ بدءاً من الآيات 4- 8

 

لاويين 23: 4- 8
""هذِهِ مَوَاسِمُ الرَّبِّ، الْمَحَافِلُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي تُنَادُونَ بِهَا فِي أَوْقَاتِهَا: فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ، فِي الرَّابعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ، بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فِصْحٌ لِلرَّبِّ. وَفِي الْيَوْمِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ هذَا الشَّهْرِ عِيدُ الْفَطِيرِ لِلرَّبِّ. سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَأْكُلُونَ فَطِيرًا. فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ يَكُونُ لَكُمْ مَحْفَلٌ مُقَدَّسٌ. عَمَلاً مَا مِنَ الشُّغْلِ لاَ تَعْمَلُوا. وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ تُقَرِّبُونَ وَقُودًا لِلرَّبِّ. فِي الْيَوْمِ السَّابعِ يَكُونُ مَحْفَلٌ مُقَدَّسٌ. عَمَلاً مَا مِنَ الشُّغْلِ لاَ تَعْمَلُو"."

 

كان الشهر الأول من التقويم العبري هو شهر أبيب والذي دُعي لاحقاً شهر نيسان . كان الاستعداد الذي نقرأ عنه في يوحنا 19: 31 ولوقا 23: 53 هو الاستعداد لعيد الفصح وعيد الفطير التالي له. مات الرب يسوع المسيح وفقاً لنص متَّى 27: 46 " نَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ" أي نحو الساعة الثالثة مساءً، في الرابع عشر من شهر نيسان، نحو الوقت الذي كان سيُضَّحى فيه بخروف الفصح. أُكِل عشاء الفصح في نفس الليلة وبدأ عيد الفطير. ومن ثم كان السبت "الذي لاح" (لوقا 23: 53) هو اليوم الأول لعيد الفطير، والذي يقول عنه سفر اللاويين 23: 7

 

لاويين 23: 7
" فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ يَكُونُ لَكُمْ مَحْفَلٌ مُقَدَّسٌ. عَمَلاً مَا مِنَ الشُّغْلِ لاَ تَعْمَلُوا."

 

تُعطِي هذه الجملة " عَمَلاً مَا مِنَ الشُّغْلِ لاَ تَعْمَلُوا" لهذا اليوم نفس الشرعية التي ليوم السبت الأسبوعي. ومع هذا، فهو لم يكن يوم سبت أسبوعي ، بل كان سبت خاص، يوم عظيم حيث منع فيه الناموس القيام بأي عمل. كما تقول لنا يوحنا 19: 31 بشكل خاص:

 

يوحنا 19: 31
" ثُمَّ إِذْ كَانَ اسْتِعْدَادٌ، فَلِكَيْ لاَ تَبْقَى الأَجْسَادُ عَلَى الصَّلِيبِ فِي السَّبْتِ، لأَنَّ يَوْمَ ذلِكَ السَّبْتِ كَانَ عَظِيمًا [أي أن ذاك السبت لم يكن سبتاً اسبوعياً بل يوماً عظيماً، أو سبت خاص]، سَأَلَ الْيَهُودُ بِيلاَطُسَ أَنْ تُكْسَرَ سِيقَانُهُمْ وَيُرْفَعُوا."

 

وكما تخبرنا مرقس 15: 42 عن يوم الصلب واليوم التالي له بعد غروب الشمس.

 

مرقس 15: 42- 43
" وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ، إِذْ كَانَ الاسْتِعْدَادُ، أَيْ مَا قَبْلَ السَّبْتِ، جَاءَ يُوسُفُ الَّذِي مِنَ الرَّامَةِ، ...... وَدَخَلَ إِلَى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ."

 

وقعت أحداث الصلب في الرابع عشر من شهر نيسان، عندما كان لايزال هناك استعداد للفصح وعيد الفطير. وكما نستطيع أن نرى من الفقرة السابقة، فقد كان هذا اليوم يقع دائماً "مَا قَبْلَ السَّبْتِ" [وهذا يُظهِر معنى الحرف التفسيري "أي" ]، والذي بدوره يعني أن اليوم التالي له - اليوم الأول لعيد الفطير، والسبت الذي تتحدث عنه يوحنا 19: 31 ولوقا 23: 52- 54- دائماً ما كان يوافق يوم سبت أيضاً. ومع ذلك، فعلى الرغم من أن ذلك اليوم كان أيضاً تاريخاً ثابتاً (الخامس عشر من شهر نيسان) فهذا يعني أن ذاك السبت لم يكن السبت الاسبوعي بل سبتاً خاصاً.

وبالتالي، لم يكن اليوم الأول من عيد الفطير هو السبت الخاص الوحيد. بل على العكس، كان هناك أكثر من ذلك، فقد استخدم الكتاب المقدس كلمة "السبت" بشكل مطلق في الإشارة إلى بعضها. فحقاً نقرأ في لاويين 23: 23- 32

 

لاويين 23: 23- 32
" وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: "كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: فِي الشَّهْرِ السَّابعِ، فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ يَكُونُ لَكُمْ عُطْلَةٌ، تَذْكَارُ هُتَافِ الْبُوقِ، مَحْفَلٌ مُقَدَّسٌ. عَمَلاً مَا مِنَ الشُّغْلِ لاَ تَعْمَلُوا، لكِنْ تُقَرِّبُونَ وَقُودًا لِلرَّبِّ". وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: "أَمَّا الْعَاشِرُ مِنْ هذَا الشَّهْرِ السَّابعِ، فَهُوَ يَوْمُ الْكَفَّارَةِ. مَحْفَلاً مُقَدَّسًا يَكُونُ لَكُمْ. تُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ وَتُقَرِّبُونَ وَقُودًا لِلرَّبِّ. عَمَلاً مَا لاَ تَعْمَلُوا فِي هذَا الْيَوْمِ عَيْنِهِ، لأَنَّهُ يَوْمُ كَفَّارَةٍ لِلتَّكْفِيرِ عَنْكُمْ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكُمْ. إِنَّ كُلَّ نَفْسٍ لاَ تَتَذَلَّلُ فِي هذَا الْيَوْمِ عَيْنِهِ تُقْطَعُ مِنْ شَعْبِهَا. وَكُلَّ نَفْسٍ تَعْمَلُ عَمَلاً مَا فِي هذَا الْيَوْمِ عَيْنِهِ أُبِيدُ تِلْكَ النَّفْسَ مِنْ شَعْبِهَا. عَمَلاً مَا لاَ تَعْمَلُوا. فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً فِي أَجْيَالِكُمْ فِي جَمِيعِ مَسَاكِنِكُمْ. إِنَّهُ سَبْتُ عُطْلَةٍ لَكُمْ، فَتُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ. فِي تَاسِعِ الشَّهْرِ عِنْدَ الْمَسَاءِ. مِنَ الْمَسَاءِ إِلَى الْمَسَاءِ تَسْبِتُونَ سَبْتَكُمْ"."

 

لا اليوم الأول ولا اليوم السابع من الشهر كانا يوصفا بأنهما أيام سبوت أسبوعية، لأنهما كانا تاريخين ثابتين وليسا يومين ثابتين كأيام السبوت الأسبوعية. لماذا إذاً يدعوهما الكتاب المقدس بالسبت؟ لأنه على الرغم من أنهما لم يكونا سبوتاً أسبوعية إلا أنهما كانا سبوتاً خاصة، أو أيام عظيمة، " عَمَلاً مَا لاَ" يُعمل فيهما، مثلما حدث وقيل " عَمَلاً مَا لاَ تَعْمَلُوا" في اليوم الأول من عيد الفطير والذي تلا يوم موت الرب.

بالمضي قدماً، نجد إشارة إلى سبت خاص في فقرة أخرى من سفر اللاويين 23: 33- 36 حيث نقرأ:

 

لاويين 23: 33- 36
" وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: "كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: فِي الْيَوْمِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ هذَا الشَّهْرِ السَّابعِ عِيدُ الْمَظَالِّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لِلرَّبِّ. فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ مَحْفَلٌ مُقَدَّسٌ. عَمَلاً مَا مِنَ الشُّغْلِ لاَ تَعْمَلُوا. سَبْعَةَ أَيَّامٍ تُقَرِّبُونَ وَقُودًا لِلرَّبِّ. فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ يَكُونُ لَكُمْ مَحْفَلٌ مُقَدَّسٌ تُقَرِّبُونَ وَقُودًا لِلرَّبِّ. إِنَّهُ اعْتِكَافٌ. كُلُّ عَمَلِ شُغْل لاَ تَعْمَلُوا."

 

وكما نرى من هذه الفقرة، فكل من اليومين الأول والثامن من عيد المظال "عملا من الشغل لا يعمل فيهما" أي أنهما كانا أيام سبوت خاصة، أو أيام عظيمة، والتي لم تكن توافق أيام سبوت أسبوعية .

 

ومع ذلك، فلم تكن كلمة"السبت" تستخدم فقط في الإشارة إلى الأيام العظيمة التي كانت توافق تواريخ ثابتة والتي لم يكن من المهم لها أن توافق أيام سبوت أسبوعية، ولكن أيضاً كانت تستخدم لتصف عام بأكمله. فحقاً تخبرنا لاويين 25: 1- 4

 

لاويين 25: 1- 4
" وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى فِي جَبَلِ سِينَاءَ قَائِلأ: "كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهمْ: مَتَى أَتَيْتُمْ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنَا أُعْطِيكُمْ تَسْبِتُ الأَرْضُ سَبْتًا لِلرَّبِّ. سِتَّ سِنِينَ تَزْرَعُ حَقْلَكَ، وَسِتَّ سِنِينَ تَقْضِبُ كَرْمَكَ وَتَجْمَعُ غَلَّتَهُمَا. وَأَمَّا السَّنَةُ السَّابِعَةُ فَفِيهَا يَكُونُ لِلأَرْضِ سَبْتُ عُطْلَةٍ، سَبْتًا لِلرَّبِّ. لاَ تَزْرَعْ حَقْلَكَ وَلاَ تَقْضِبْ كَرْمَكَ."

 

ويتضح من كل ما سبق، أن الكتاب المقدس يتحدث عن نوعين من أيام السبوت: وهي أيام السبوت العادية الأسبوعية "سابع أيام الاسبوع"، وأيام السبوت الخاصة التي كانت تعد أيام عظيمة والتي لا يعمل فيها عملا ما من الشغل. وعلى نقيض أيام السبوت الأسبوعية والتي كانت أياماً ثابتة، فهذه السبوت الخاصة كانت تواريخ ثابتة، ومن ثم فمن الممكن لها أن توافق أي يوم في الأسبوع. كان اليوم الأول لعيد الفطير هو سبت خاص أيضاً، وكان يلي يوم موت الرب. ولهذا السبب تخبرنا يوحنا 19: 31 أن " ذلِكَ السَّبْتِ كَانَ عَظِيمًا." أي أنه لم يكن سبتاً اسبوعياُ بل سبتاً خاصاً، يوماً عظيماً والذي كان من الممكن أن يوافق أي يوم في الأسبوع.

 

3. متى أقيم يسوع؟

بعدما أوضحنا أن السبت الذي تلا يوم موت يسوع كان سبتاً خاصاً وليس سبتاً أسبوعياً، فقد أزلنا أيضاً السبب الذي جعل الناس يحاولون ضغط الثلاثة أيام والثلاث ليال في مدة حوالي اربعين ساعة (من بعد ظهر الجمعة حتى صباح الأحد). ونستطيع بسهولة معرفة اليوم الذي مات فيه يسوع بإيماننا بأنه كان يعني ما قاله بالفعل أيضأً. وحقاً، فبما أنه قال أنه سيكون " فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال"، وبما أنه دفن نحو الغروب، فنستطيع أن نستنتج أنه اقيم بعد 72 ساعة _أي ثلاثة أيام وثلاث ليال- ، أي في نفس الساعة التي دفن فيها. وهذا يجعل توقيت قيامة يسوع في عصر اليوم قرب الغروب، وليس في صباح يوم الأحد كما أعتُقِد في ذلك دائماً. وفي الحقيقة، فالسبب الوحيد الذي لأجله اعتقد الجميع أن يسوع قد اقيم في صباح يوم الأحد هو افتراض الناس أن القيامة حدثت قبل قليل من زيارة السيدات للقبر ذاك الصباح (مرقس 16: 1- 8). وكما نعلم جميعنا على الأغلب، أن النساء وجدن القبر خالياً. وبالرغم من وضوح حقيقة أن النساء وجدن القبر خالياً صباح يوم الأحد، فهذا لا يعني أن يسوع أخلاه صباح يوم الأحد . بل على النقيض، تضع هذه التسجيلات حداً أقصى فيما يخص وقت القيامة، إذ أن هذا بالتأكيد لم يحدث في وقت لاحق لزيارة النساء للقبر ورؤيته خالياً. فمتى حدث هذا بالضبط؟ وفقاً لما قاله يسوع، حدث هذا عندما أكمل ثلاثة أيام وثلاث ليال " فِي قَلْب الأَرْضِ" أي عصر يوم السبت، قرب الغروب، في نفس الوقت الذي دفن فيه. وتتأكد حقيقة قيامة يسوع في عصر يوم السبت وليس في صباح يوم الأحد من متَّى 28: 1- 2 حيث نقرأ:

 

متَّى 28: 1- 2
" وَبَعْدَ السَّبْتِ، عِنْدَ فَجْرِ أَوَّلِ الأُسْبُوعِ، جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الأُخْرَى لِتَنْظُرَا الْقَبْرَ. وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ."

 

السبت الذي تتحدث عنه الفقرة السابقة ليس هو السبت الخاص، أول أيام عيد الفطير، أو اليوم العظيم الذي تبع يوم موت يسوع. بل هو السبت الأسبوعي، سابع أيام الأسبوع. وتأكدت حقيقة شمول الثلاثة أيام والثلاث ليال التي بقي فيها الرب " فِي قَلْب الأَرْضِ" على كل من نوعي أيام السبوت، السبت الخاص والسبت الاسبوعي، بنص مرقس 16: 1 ولوقا 23: 56، حيث نقرأ:

 

مرقس 16: 1
" وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ، اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ، حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ."

 

والآن، تقول لنا لوقا 23: 56
" فَرَجَعْنَ [نفس السيدات المذكورة في مرقس 16: 1 - أنظر لوقا 24: 10] وَأَعْدَدْنَ حَنُوطًا وَأَطْيَابًا. وَفِي السَّبْتِ اسْتَرَحْنَ حَسَبَ الْوَصِيَّةِ."

 

قيل لنا في مرقس أن السيدات اشترين الحنوط بعدما مضي السبت. وعلى النقيض، قيل لنا في لوقا أنهن أعددن حنوطاً قبل السبت (مما يعني أنهن قد اشترين الحنوط في وقت سابق). هل هناك أي تناقض هنا؟ لا، لأن هذين السبتين مختلفين. ومن ثم، فبينما يوم السبت المذكور في مرقس 16: 1 سبت خاص- أول يوم من عيد الفطير-، كان السبت المذكور في لوقا 23: 56 هو السبت الأسبوعي. تشير كلا الفقرتين إلى نفس اليوم (اليوم الذي اشترين فيه السيدات الحنوط وأعدتاه) مع فارق الإشارة إلى أيام سبوت مختلفة.

بعدما أوضحنا أن الثلاثة أيام والثلاث ليال التي دفن فيها يسوع تضمنت سبتين، أحدهما خاص والآخر أسبوعي، فلننظر الآن إلى ما تقوله لنا متَّى 28: 1- 2 عن وقت قيامة يسوع. والجملة الرئيسية التي ينبغي لنا أن ننتبه لها هي الجملة القائلة :" عِنْدَ فَجْرِ". هذه الجملة هي ترجمة للفعل اليوناني "epifosko" والتي تعني "الغسق". واستخدام الله لهذا الفعل بالتحديد في لوقا 23: 53- 54 لتسجيل وقت دفن يسوع ليس من قبيل الصدفة على الإطلاق. فحقاً نقرأ:

 

لوقا 23: 53- 54
" وَأَنْزَلَهُ [أنزل يوسف الجسد]، وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ، وَوَضَعَهُ فِي قَبْرٍ مَنْحُوتٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ وُضِعَ قَطُّ. وَكَانَ يَوْمُ الاسْتِعْدَادِ وَالسَّبْتُ يَلُوحُ [epifosko]."

 

لم يستخدم الفعل "epifosko" في أي مكان آخر غير هذين الموضعين في العهد الجديد.

ومن ثم، فبالعودة إلى متَّى 28: 1، فالوقت الذي تشير إليه تلك الفقرة هو قرب غروب الشمس، في نفس الوقت الذي دفن فيه يسوع تقريباً، قبل ثلاثة أيام وثلاث ليال. جاءت " مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الأُخْرَى" في هذا التوقيت تقريباً لرؤية القبر. غير أنهما جاءتا فقط لرؤية القبر وانصرفتا، وكما تقول لنا مرقس 16: 1- 2 أنهما جاءتا مرة أخرى في اليوم التالي بالحنوط، متجاهلتين ما تبع تركهما للقبر. ما الذي تبع ذلك؟ تحكي لنا عن هذا الآيات 2- 4

 

متَّى 28: 1- 4
" وَبَعْدَ السَّبْتِ، عِنْدَ فَجْرِ أَوَّلِ الأُسْبُوعِ [نحو نفس التوقيت الذي دفن فيه يسوع قبل ثلاثة أيام وثلاث ليال]، جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الأُخْرَى لِتَنْظُرَا الْقَبْرَ. وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ. وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَالْبَرْقِ، وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ. فَمِنْ خَوْفِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ."

 

متى حدث هذا؟ كما تخبرنا الآية الأولى " عِنْدَ فَجْرِ أَوَّلِ الأُسْبُوعِ"، أي عندما أكمل يسوع ثلاثة أيام وثلاث ليال في القبر. ولنتناول إذاً الأمور من البداية.

 

في أي وقت دفن يسوع؟ قرب غروب الرابع عشر من شهر نيسان عند غسق أول أيام عيد الفطير، اليوم العظيم المذكور في يوحنا 19: 31 وهو السبت الخاص المذكور في الفقرات الأخرى.

 

كم من الوقت ينبغي له أن يبقى في القبر؟ وفقاً لما قاله في متَّى 12: 40، أنه ينبغي له أن يدفن ثلاثة أيام وثلاث ليال اي 72 ساعة.

 

متى أقيم؟ أقيم "عند الغسق قرب أول الأسبوع [الأحد] أي عصر السبت، عندما أكمل ثلاثة أيام وثلاث ليال بالضبط في القبر.

 

متى مات؟ بالرجوع بالزمن للخلف ثلاثة أيام وثلاث ليال من عصر يوم السبت، إذاً فقد كان السبت هو اليوم الثالث والليلة الثالثة التي دفن فيها يسوع، وكان الجمعة هو اليوم الثاني والخميس هو الأول. إذاً، نستطيع أن نستنتج أن يسوع مات يوم الأربعاء في الثالثة مساءاً ودفن في عصر نفس اليوم.

 

كان الخميس هو السبت الخاص، أول أيام عيد الفطير. وكان الجمعة يوماً عادياً ابتاعت فيه المريمات الحنوط وأعددناها وكان السبت هو السبت الأسبوعي والذي أقيم يسوع في آخره.

 

هل هناك إذاً أي تناقض مع قول يسوع بأنه ينبغي له أن يدفن في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال؟ بقدر تعلق كلمة الله بالأمر، فبالتأكيد لا.

نستخلص من ذلك إذاً: على الرغم من عدم وجود أهمية خاصة للأيام ذاتها، إلا أن أهميتها تكمن في معرفة ما إذا كان كلام الله دقيق فيما يخصها. وكان هذا هو بالضبط هدفنا من هذا المقال: وهو أن نختبر دقة كلام الله في موضوع بسببه.قد أدينت الكلمة بالخطأ مرة أخرى ولإظهار أنه حقاً لا توجد أي مشكلة بكلام الله. بل على النقيض، فلسوء الحظ تكمن المشكلة حيث الإهمال والافتراضات الخاطئة والمعبأة بالتقاليد، وهو الشيء الذي يمحو وضوحه.

 

تاسوس كيولاشوجلو

 

 المراجع

 E.W. Bullinger: The Companion Bible, Kregel Publications, Grand Rapids, MI 49501, 1990

Ralph Edward Woodrow: "Babylon Mystery Religion: Ancient and Modern", Ralph Woodrow Evangelistic Association Inc., 1992

 



الحواشي

1.أنظر سفر الخروج 12: 2، 13: 4 وسفر أستير 3: 7.

2. كان تاريخاً ثابتاً- اليوم الخامس عشر من الشهر الأول- وليس يوماُ ثابتاً.

3. جملة " مِنَ الْمَسَاءِ إِلَى الْمَسَاءِ" تأتي متوافقة مع ما سبق وتحدثنا عنه بخصوص حساب الزمن في ذلك العصر.

4.ستتوافق فقط عندما تتزامن التواريخ مع أيام السبوت الأسبوعية.

5. سيطرح حساب الزمن لهذا العصر لاحقاً.

 




 

فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال (PDF) هذا المقال على نسخة PDF


احفظ وشارك